فبعثه أبوه في حاجة له فخرج عليه في طريقه عدو فأسره وكتفه وشد وثاقه، ثم ذهب به إلى بلاد الأعداء فسامه سوء العذاب وعامله بضد ما كان أبوه يعامله به، فهو يتذكر تربية والده وإحسانه إليه الفينة بعد الفينة فتهيج في قلبه لواعج الحسرات كلما رأى حاله، ويتذكر ما كان عليه وكل ما كان فيه ...
فبينما هو في أسر عدوه يسومه سوء العذاب ويريد ذبحه في نهاية المطاف إذ حانت منه التفاتة نحو ديار أبيه، فرأى أباه منه قريباً، فسعى إليه وألقى نفسه عليه وانطرح بين يديه يستغيث: يا أبتاه! يا أبتاه! يا أبتاه! انظر إلى ولدك وما هو فيه
ودموعه تسيل على خديه، قد اعتقنه والتزمه، وعدوه في طلبه حتى وقف على رأسه، وهو ملتزم لوالده ممسك به، فهل تقول إن والده يسلمه مع هذه الحالة إلى عدوه مرةً أخرى ويخلي بينه وبينه؟
فما الظن بمن هو أرحم بعبده من الوالد بولده ومن الوالدة بولدها؟ إذا فرَّ عبدٌ إليه وهرب من عدوه إليه وألقى بنفسه طريحاً ببابه يمرغ خده في ثرى أعتابه باكياً بين يديه يقول : يا رب! يا رب ارحم من لا راحم له سواك، ولا ناصر له سواك، ولا مؤوي له سواك، ولا مغيث له سواك، مسكينك وفقيرك وسائلك ومؤملك، لا ملجأ له ولا منجى منك إلا إليك، أنت معاذه وبك ملاذه
يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره
من منزلة التوبة - مدارج السالكين لابن القيم رحمه الله
كتبها عبد الرحمن يوسف في 07:57 صباحاً ::
تفضل بزيارة مجلة كورة ko.maktoobblog.com



الاسم: عبد الرحمن يوسف

أهلا وسهلا بكم في مدونتي المتواضعة

